الشوكاني
254
فتح القدير
ومدح للمؤمن ( فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ) لأنه الخالق لكم العالم بما جبلتم عليه من الطبائع وما تباينتم قد فيه من الطرائق ، فهو الذي يميز بين المؤمن الذي لا يعرض عند النعمة ولا يبأس عند المحنة ، وبين الكافر الذي شأنه البطر للنعم والقنوط عند النقم . ثم لما انجر الكلام إلى ذكر الإنسان وما جبل عليه ، ذكر سبحانه سؤال السائلين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الروح فقال ( ويسألونك عن الروح ) قد اختلف الناس في الروح المسؤول عنه ، فقيل هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته ، وبهذا قال أكثر المفسرين . قال الفراء : الروح الذي يعيش به الإنسان لم يخبر الله سبحانه به أحدا من خلقه ، ولم يعط علمه أحدا من عباده فقال ( قل الروح من أمر ربى ) أي إنكم لا تعلمونه ، وقيل الروح المسؤول عنه جبريل ، وقيل عيسى ، وقيل القرآن ، وقيل ملك من الملائكة عظيم الخلق ، وقيل خلق كخلق بني آدم ، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته ولا فائدة في إيراده ، والظاهر القول الأول ، وسيأتي ذكر سبب نزول هذه الآية ، وبيان السائلين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الروح ، ثم الظاهر أن السؤال عن حقيقة الروح ، لأن معرفة حقيقة الشئ أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله ، ثم أمره سبحانه أن يجيب على السائلين له عن الروح فقال ( قل الروح من أمر ربى ) من بيانية ، والأمر الشأن والإضافة للاختصاص ، أي هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأشياء التي لم يعلم بها عباده ، وقيل معنى ( من أمر ربى ) من وحيه وكلامه لا من كلام البشر ، وفى هذه الآية ما يزجر الخائضين في شأن الروح المتكلفين لبيان ماهيئته وإيضاح حقيقته أبلغ زجر ويردعهم أعظم ردع ، وقد أطالوا المقال في هذا البحث بما لا يتم له المقام ، وغالبه بل كله من الفضول الذي لا يأتي بنفع في دين ولا دنيا . وقد حكى بعض المحققين أن أقوال المختلفين في الروح بلغت إلى ثمانية عشر مائة قول ، فانظر إلى هذا الفضول الفارغ والتعب العاطل عن النفع ، بعد أن علموا أن الله سبحانه قد استأثر بعلمه ولم يطلع عليه أنبياءه ولا أذن لهم بالسؤال عنه ولا البحث عن حقيقته فضلا عن أممهم المقتدين بهم ، فيالله العجب حيث تبلغ أقوال أهل الفضول إلى هذا الحد الذي لم تبلغه ولا بعضه في غير هذه المسئلة مما أذن الله بالكلام فيه ، ولم يستأثر بعلمه . ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله سبحانه ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) أي أن علمكم الذي علمكم الله ، ليس إلا المقدار القليل بالنسبة إلى علم الخالق سبحانه ، وإن أوتي حظا من العلم وافرا ، بل علم الأنبياء عليهم السلام ليس هو بالنسبة إلى علم الله سبحانه إلا كما يأخذ الطائر في منقاره من البحر ، كما في حديث موسى والخضر عليهما السلام . وقد أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود قال ( دلوك الشمس ) غروبها ، تقول العرب إذا غربت الشمس دلكت الشمس . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي قال : دلوكها غروبها . وأخر عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ، قال ( لدلوك الشمس ) لزوال الشمس ، وأخرج البزار وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " دلوك الشمس زوالها " وضعف السيوطي إسناده ، وأخرجه مالك في الموطأ وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر من قوله . وأخرج عبد الرزاق عنه قال : " دلوك الشمس زياغها بعد نصف النهار " . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن ابن عباس قال : دلوكها زوالها . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عنه في قوله ( لدلوك الشمس ) قال : إذا فاء الفئ . وأخرج ابن جرير عن أبي مسعود وعقبة بن عمرو قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى